محمد كرد علي
235
خطط الشام
في أيامهما وضعف أهله وغلت الأسعار ولا سيما على عهد العزيز ، وكانا يبادران حالا إلى إبدال العمال مخافة أن ينزعوا إلى العصيان . أما عهد الحاكم فكان الخلل المطلق ، لخلل في عقله وخرق في سياسته ، وكانت الشام بعده تختلف باختلاف العامل الذي ترسله مصر . وبينا القطر متقلقل في سياسته أقبلت من الشرق قوة عظيمة لا قبل له بدفعها . قوة الدولة السلجوقية التركمانية الجديدة جاءت لتقضي على الدولة الفاطمية العربية التي نزل بها الهرم أو كاد . والسلجوقيون نسبة لسلجوق من صغار أمراء الترك في أرجاء بخارى ، يقسمون إلى ثلاثة فروع ، فرع العجم وهذا الذي استولى على العراق والجزيرة ، ثم على الشام والحجاز واليمن ، وفرع الروم أي آسيا الصغرى ، وفرع كرمان . والتركمان قبائل كانت لأول أمرها تنزل بين بحيرة آرال وبحر الخزر ، وهم من أول الأتراك الذين دانوا بالإسلام وخدموا بني العباس ، هاجروا إلى فارس والعراق وآسيا الصغرى . وهم أصل الترك العثمانيين سكان الأناضول ، وأعظم الشعوب التركية . والفرق طفيف بين لسانهم ولسان اويغور أي الجغتاي . وتنقسم الألسنة التركية إلى خمسة أقسام وهي الجغتاي أو اويغور والنوغاي أي التتري والقرغيز والياقوت واللسان العثماني . فإذا أطلق اسم الترك فالمقصود منه الجنس الجامع لهذه الشعوب الخمسة ، وإذا قيل التركمان أريد به أعظم شعب في الترك ، وكلا الإطلاقين جائز . والتركمان على جانب عظيم من الشجاعة والفروسية ، أظهروا من الجلادة منذ وطئوا هذا القطر ما خلدوا به أعظم المفاخر ، وأسسوا في الشام حكومات منها المحمود ، ومنها دون ذلك . لما سار السلطان آلب أرسلان ثاني ملوك السلجوقيين بجيوشه إلى الشام ، كانت مملكته تمتد إلى الصين شرقا ، ومن أقصى ديار الإسلام شمالا ، إلى أقصى اليمن جنوبا ، وجاء إلى حلب وأقام الحصار عليها وعظم القتال بين عساكره وحامية حلب لصاحبها محمود بن نصر بن صالح بن مرداس ، ثم استسلم هذا وخلع عليه السلطان آلب أرسلان ، وأعاده إلى بلده فبعث إليه مالا جزيلا . وفي تلك السنة ( 463 ) قطع خطبة المستنصر العلوي